صديق الحسيني القنوجي البخاري
106
فتح البيان في مقاصد القرآن
وقيل ، المراد ب ( تقوم ) قيامه إلى التهجد ، وبالتقلب تردده في تفحص أحوال المجتهدين في العبادة وتقلب بصره فيهم ؛ كذا قال مجاهد . قال ابن عباس : تقلبك أي قيامك وركوعك وسجودك ، وعنه قال يراك وأنت مع الساجدين تقوم وتقعد معهم ، وعنه قال : كان النبي صلّى اللّه عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة يرى من خلفه كما يرى من بين يديه ، ومنه الحديث في الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « هل ترون قبلتي ههنا فو اللّه ما يخفى على خشوعكم ولا ركوعكم ، وإني لأراكم من وراء ظهري » « 1 » . إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ لما تقوله الْعَلِيمُ به ، ثم أكد سبحانه معنى قوله وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ وبينه فقال : هَلْ أُنَبِّئُكُمْ يا كفار مكة عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ أي تتنزل فحذف احدى التاءين ، وفيه بيان استحالة تنزل الشياطين على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ الأفاك الكثير الإفك ، والأثيم كثير الإثم ، والمراد به كل من كان كاهنا ، فإن الشياطين كانت تسترق السمع ، ثم يأتون إليهم فيلقونه إليهم مثل مسيلمة من المتنبئة ، وكسطيح من الكهنة ، وهو معنى قوله : يُلْقُونَ السَّمْعَ أي : ما يسمعونه مما يسترقونه ، فالمعنى حال كون الشياطين ملقين السمع ، أي : ما يسمعونه من الملأ الأعلى إلى الكهان ، ويجوز أن يكون المعنى أن الشياطين يلقون السمع ، أي : يصغون إلى الملأ الأعلى ليسترقوا منهم شيئا ويكون المراد بالسمع على الوجه الأول المسموع ، وعلى الوجه الثاني نفس حاسة السمع . ويجوز أن تكون جملة يلقون السمع راجعة إلى كل أفاك أثيم ، على أنها صفة أو مستأنفة ، ومعنى الالقاء أنهم يسمعون ما تلقيه إليهم الشياطين من الكلمات التي تصدق الواحدة منها ، وتكذب المائة الكلمة ، ويلقونها إلى عوام الخلق . أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن عائشة قالت : سأل أناس النبي صلّى اللّه عليه وسلم عن الكهان فقال : إنهم ليسوا بشيء ، قالوا يا رسول اللّه إنهم يحدثون أحيانا بشيء يكون حقا قال : تلك الكلمة من الحق يخطفها الجني فيقذفها في أذن وليه ، فيخلطون فيها أكثر من مائة كذبة « 2 » . وفي لفظ البخاري فيزيدون معها مائة كذبة . وَ جملة أَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ راجعة إلى كل أفاك أثيم ، أي وأكثر هؤلاء الكهنة كاذبون فيما يتلقونه من الشياطين ، لأنهم يضمون إلى ما يسمعونه كثيرا من
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الصلاة باب 40 ، والأذان باب 88 ، ومالك في السفر حديث 70 ، وأحمد في المسند 2 / 244 ، 303 ، 365 ، 375 . ( 2 ) أخرجه البخاري في الطب باب 46 ، والأدب باب 117 ، والتوحيد باب 57 ، ومسلم في السلام حديث 123 ، وأحمد في المسند 6 / 87 .